السيد عبد الأعلى السبزواري

296

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

والمؤمنون شديدي الحرص على إيمانهم لأسباب عديدة منها انهم من أهل الكتاب وهم على معرفة برسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) ودينه لما ذكر في كتابهم . قوله تعالى : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ . الفريق اسم جمع لا واحد له ، والمراد به من له القدرة على التحريف سواء كان من الأحبار والعلماء أو من تبعهم في ذلك وإن لم يكن منهم موضوعا ، وإن كان ظاهر الآية يختص بالطائفة الأولى . والمراد بسماع كلام اللّه تعالى ما أدركوه بقوة السمع سواء كان عند خطاب اللّه لموسى ( عليه السلام ) أو منه إليهم أو من أنبيائهم وكلامه تعالى سواء كان من التوراة أو ما ورد في أوصاف خاتم النبيين ( صلّى اللّه عليه وآله ) . والتحريف التبديل والتغيير حسب مشتهيات النفس ، سواء كان في اللفظ أو في المعنى أو في المحل - بأن ينقل اللفظ من موضعه إلى موضع آخر - والكل حرام عقلا وشرعا إلّا إذا ورد إذن من قبل الشارع كما في تغيير القراءة فيه وهو لا يعد من التحريف الاصطلاحي ، ويأتي تفصيل ذلك كله إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أي : من بعد ما عرفوه وفهموه وتمت الحجة عليهم وهذا معنى قوله تعالى في الآية المباركة : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ [ سورة المائدة ، الآية : 41 ] أو عن مَواضِعِهِ [ سورة المائدة ، الآية : 13 ] وهم يعلمون بأنّهم يحرّفون ويكذبون على اللّه تعالى . وذلك نص على تعمدهم وسوء قصدهم . وفي هذين القيدين من التشنيع لفعلهم ما لا يخفى . وحكم الآية المباركة عام يجري في كل من يحرّف كلام اللّه حسب مقاصده وإن لم يكن من اليهود فيشمل أهل البدع والآراء والمقاييس ولو كانوا من المسلمين . ومعنى الآية المباركة أنه كيف تطمعون في إيمانهم وقد كان لهم سلف يفعلون السوء وقد جبلوا على العناد والإصرار على الضلال وكان من أفعالهم